ابن عجيبة

188

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولمّا ذكر الحق تعالى الكعبة ، وأمر بالتوجه إليها ، ناسب أن يذكر الصفا والمروة ؛ لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين . وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما ؛ لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف ، وعلى المروة صنم يقال له نائلة ، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما ، فرفع اللّه ذلك فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) قلت : ( الصفا ) في أصل الوضع : جمع صفاة ، وهي الصخرة الصلبة الملساء ، يقال : صفاة وصفا ، كحصاة وحصى ، وقطاة وقطا ، ونواة ونوى . وقيل : مفرد ، وتثنيته : صفوان ، وجمعه : أصفاء ، و ( المروة ) ما لان من الحجارة وجمعه مرو ومروات ، كتمرة وتمر وتمرات . والمراد هنا جبلان بمكة ، و ( شعائر اللّه ) : أعلام دينه ، جمع شعيرة أو شعارة ، والشعيرة : كل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى اللّه تعالى ، من دعاء أو صلاة أو أداء فرض أو ذبيحة . والحج في اللغة : القصد ، والعمرة : الزيارة ، ثم غلبا شرعا في العبادتين المخصوصتين . وقرأ الأخوان وخلف : ( يطّوع ) بلفظ المضارع ، مجزوم اللفظ ، وهو مناسب لقوله ( أن يطوف ) ، أصله : يتطوع ، أدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج ، والباقون بلفظ الماضي ، مجزوم المحل ، وهو مناسب لقوله : ( فمن حج البيت ) . و ( الجناح ) : الإثم ، من جنح إذا مال ، كأن صاحب الإثم مال عن الحق إلى الباطل ، و ( خيرا ) : صفة لمصدر محذوف ، أو على إسقاط الخافض . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الطواف بين الصَّفا وَالْمَرْوَةَ من معالم دينه ومناسك حجه ، فَمَنْ قصد الْبَيْتَ للحج أو العمرة فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بينهما ، ولا يضره الصنمان اللذان كانا عليهما في الجاهلية ؛ فإن اللّه محا ذلك بالإسلام ، وَمَنْ تَطَوَّعَ للّه بخير من حج أو عمرة أو صلاة أو غير ذلك ، فَإِنَّ اللَّهَ يشكر فعله ويجزل ثوابه . واختلف في حكمه ، فقال مالك والشافعي : ركن لا يجبر بالدم ، وقال أبو حنيفة : فرض يجبر بالدم ، وقال أحمد : سنة ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الصفا والمروة إشارة إلى الروح الصافية والنفس اللينة الطيبة ، فالاعتناء بتطهيرهما وتصفيتهما من معالم الطريق ، وبهما يسلك إلى عين التحقيق ، فمن قصد بيت الحضرة لحج الروح بالفناء في الذات ، أو عمرة النفس بالفناء في الصفات ، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ؛ ويشرب من كأسهما ، حتى يغيب عن حسهما ، ومن تطوع خيرا ببذل روحه للّه ، والغيبة عنها في شهود مولاه ، فإن اللّه يشكر فعله ، وينشر فضله ويظهر خيره ، ويتولى أمره ، واللّه ذو الفضل العظيم .